القرطبي
46
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه خمس مسائل : الأولى - لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث . ونزلت الآية في أوس ابن ثابت الأنصاري ، توفي وترك امرأة يقال لها : أم كجة وثلاث بنات له منها ، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة ، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا ، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ، ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الحيل ، وطاعن بالرمح ، وضارب بالسيف ، وحاز الغنيمة . فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما ، فقالا : يا رسول الله ، ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا . فقال عليه السلام : ( انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن ) . فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم ، وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم ، فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار ، لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم ، فعكسوا الحكم ، وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم ، وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم . الثانية - قال علماؤنا : في هذه الآية فوائد ثلاث : إحداها - بيان علة الميراث وهي القرابة . الثانية - عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد . الثالثة - إجمال النصيب المفروض . وذلك مبين في آية المواريث ، فكان في هذه الآية توطئة للحكم ، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي . الثالثة - ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله - بئر حاء - وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( اجعلها في فقراء أقاربك ) فجعلها لحسان وأبي . قال أنس : وكانا أقرب إليه مني . قال أبو داود : بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال : أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار . وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام . وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار . قال الأنصاري : بين أبى طلحة وأبي ستة آباء . قال : وعمرو بن مالك يجمع حسان وأبي بن كعب